تارودانت: محمد امهرسي تحت المجهر… حين يكون العمل الإنساني أبلغ من الكلام..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من لا يشكر الناس لا يشكر الله”.
ليست السياسة في جوهرها النبيل مجرد إدارة للمرافق، أو حضور رسمي داخل الاجتماعات، أو توقيع على محاضر وقرارات تصادق عليها الأغلبية. فالسياسة حين تكون قريبة من الإنسان تتحول إلى إنصات صادق لآلامه، وتفاعل سريع مع حاجاته، وإحساس عميق بأن المسؤولية قبل أن تكون سلطة فهي أمانة. ومن هنا تكتسب بعض المواقف قيمتها الحقيقية، لا بما تكلفه ماديا، بل بما تتركه من أثر إنساني في لحظة عجز وحاجة وانكسار.
في تارودانت كما في غيرها من المدن، تمر على الأسر لحظات قاسية لا تحتاج فيها إلى الخطب ولا إلى الوعود، بل إلى يد تمتد في الوقت المناسب.
وتسجيل مواقف كثيرة في حق امهرسي وهي مواقف إنسانية نبيلة تعيد التأكيد أن المسؤولية ليست منصبا فحسب، بل إحساس بالناس واستجابة لمعاناتهم.
ومثل هذه المبادرات و التدخلات،لا ينبغي أن تقرأ كواقعة معزولة أو مبادرة عابرة. فكل من اقترب من الشأن المحلي، أو تابع بصمت حالات اجتماعية وصحية وإنسانية متعددة، يدرك أن مثل هذه المبادرات ليست جديدة على امهرسي فكثيرة هي الحالات التي تدخل فيها بعيدا عن الأضواء، سواء بتارودانت او اكادير أو حتى بعدد من المدن الداخلية للمملكة، خاصة في الملفات المرتبطة بالمرض والتنقل من أجل العلاج ومساندة الأسر في المحن الصعبة.
واللافت في هذه التدخلات أن الرجل لا يبحث عن الإعلان عنها، ولا يحرص على تحويلها إلى مادة دعائية، بل يفضل أن تبقى في دائرة الصمت، إيمانا منه بأن العمل الخيري يفقد جزءا من روحه حين يتحول إلى استعراض، وأن مساعدة الناس لا ينبغي أن تقترن بالمن أو الرياء أو انتظار المقابل. غير أن الصمت لا يعني أن يبقى المعروف بلا شكر، لأن ثقافة الاعتراف ليست تملقا بل قيمة أخلاقية ودينية واجتماعية.
ومن الإنصاف القول إن السيد محمد امهرسي لم يبدأ هذا المسار الإنساني بعد توليه رئاسة جماعة تارودانت بالنيابة، بل كان معروفا بهذا الانخراط منذ سنوات طويلة قبل تحمله مسؤولية تدبير الشأن الجماعي. وهذا المعطى مهم لأنه يخرج العمل الإنساني من دائرة الظرفية، ويجعله سلوكا متأصلا لا يرتبط فقط بموقع انتخابي أو لحظة سياسية.
لكن المؤسف أن بعض الأصوات لا ترى في مثل هذه الأعمال إلا في زاوية الشك والتبخيس. فما إن يصدر عمل إنساني أو تدخل اجتماعي حتى تسارع إلى تأويله انتخابيا، وكأن الرحمة أصبحت تهمة، وكأن الوقوف مع أسرة منكوبة صار مادة للمزايدة. وهنا تظهر إحدى أزمات النقاش العمومي المحلي، حين يصبح التبخيس جاهزا قبل الفهم والاتهام أسبق من الإنصاف.
لا أحد يمنع النقد ولا أحد فوق المساءلة. بل إن النقد حق مشروع حين يكون مبنيا على الوقائع والحجج، لكن تحويل كل مبادرة ناجحة إلى شبهة، وكل عمل إنساني إلى حملة انتخابية، وكل تدخل اجتماعي إلى مادة للسخرية، ليس نقدا بقدر ما هو عدمية ترهق الفضاء العام وتقتل روح المبادرة.
والأخطر أن سهام التبخيس كثيرا ما تصوب في اتجاه واحد، وكأن المدينة لا يوجد فيها إلا شخص واحد يتحمل كل شيء، أو كأن العمل الناجح لا يستحق الإشادة إذا صدر عن جهة بعينها. والحقيقة أن تارودانت العاصمة التاريخية المملكة الشريفة سابقا،تحتاج إلى كل أبنائها، وإلى كل من يستطيع أن يخدمها من موقعه، وأن يمد يد العون لساكنتها في لحظات الحاجة. ومن يشتغل ويجتهد ويخطئ ويصيب، يبقى أفضل من كثيرين اختاروا مقاعد الفرجة وانتظار الأخطاء.
إن ما قام ويقوم به السيد محمد امهرسي ابن المدينة الاصيل من مبادرات متواصلة مثل هذه الحالات الإنسانية هو رسالة عميقة مفادها أن كرامة الإنسان لا تنتهي ، وأن مساندة الاسر في لحظة الضرورة واجب أخلاقي قبل أن يكون مبادرة اجتماعية. كما أن هذه الالتفاتات تذكرنا بأن المسؤول الحقيقي هو من يحضر عند الحاجة، لا من يكثر الكلام عند الرخاء.
.
تحية وتقدير للسيد محمد ولكل جنود الخفاء الذين يشتغلون في الظل. العمل الجمعوي والمجتمع المدني يرتكزان بشكل أساسي على هذه الطاقات التي تقدم الدعم والمساندة بعيداً عن الأضواء وبدون انتظار مقابل علني.إن مثل هؤلاء الأشخاص يمثلون العمود الفقري للعمل الإنساني والتنموي، حيث يساهمون في:استدامة المشاريع: تقديم الدعم المادي، اللوجستي، أو الفكري لضمان استمرار الأنشطة.تعزيز التكافل: سد الفجوات وتلبية احتياجات الفئات الهشة والمستهدفة.إلهام الآخرين: تقديم نموذج يحتذى به في العطاء النقي والمخلص.
فالمدن لا تبنى بالحجر وحده، بل تبنى أيضا بالرحمة، وبالوفاء وبالاعتراف بكل يد امتدت في لحظة وجع.
ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.

