بقلم.. الاستاذ الباحث احمد اكلكيم
صباح يوم السبت 27/06/2026 ، اقترح علي أبنائي أن نتوجه إلى مدينة الصويرة لحضور جانب من فعاليات الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة وموسيقى العالم. ترددت في البداية، ثم سرعان ما استهوتني الفكرة. قلت في نفسي: ولم لا؟ لعلها تكون فرصة تستعيد بها الذاكرة بعضاً من تلك الأجواء التي كنا نعيشها ونحن صغار في قرية أفريجة، ضواحي تارودانت، حين كانت نغمات كناوة وإيقاعاتها تتردد في مناسبات معينة من السنة، فتجذب الصغار قبل الكبار، وتملأ الليالي دفئاً وفرحاً.
وصلنا إلى الصويرة عصر السبت، لكنني سرعان ما أدركت أنني لست أمام مجرد مهرجان، بل أمام تجربة تنموية متكاملة.
مدينة صغيرة من حيث المساحة وعدد السكان، لكنها بدت وكأنها تستقبل المغرب كله. آلاف الزوار يتدفقون عبر الأزقة والأسوار التاريخية، الفنادق ممتلئة عن آخرها، المطاعم والمقاهي تعيش حركة غير مسبوقة، ومواقف السيارات امتلأت إلى درجة اضطر معها كثير من الوافدين إلى ركن سياراتهم بعيداً عن مركز المدينة.
كان المشهد أكبر من مجرد حفلات موسيقية. لقد كان صورة لمدينة نجحت في تحويل الثقافة إلى اقتصاد، والتراث إلى مورد للتنمية، والهوية المحلية إلى عنصر جذب وطني ودولي.
وسط هذا الزخم، عاد بي الزمن إلى أفريجة، وإلى تلك الليالي التي كانت تحتضن الإيقاع الكناوي في محيط تارودانت. أدركت يومها أن هذا الفن لم يكن غريباً عن المنطقة، بل كان جزءاً من ذاكرتها الاجتماعية والثقافية، شأنه شأن كثير من الروافد الإفريقية التي امتزجت عبر القرون بالهوية السوسية. ومن هنا ولدت لدي قناعة بأن تارودانت لا تفتقد إلى الموروث الثقافي، وإنما تفتقد إلى المشروع الذي يحسن استثماره.
حينها قفز إلى ذهني سؤال بسيط، لكنه عميق: لماذا لا تستطيع تارودانت أن تعيش مشهداً مشابهاً؟
فالمدينتان تتقاسمان أكثر من قاسم مشترك. لكل منهما مدينة عتيقة بأسوار تاريخية شامخة، وأسواق تقليدية نابضة بالحياة، وذاكرة عمرانية عريقة، وحضور روحي وثقافي و فني متجذر في التاريخ.
بل إن تارودانت تمتلك من المؤهلات ما يجعلها مؤهلة لبناء تجربة ثقافية خاصة بها. فهي مدينة الزوايا والعلماء، وموطن مواسم دينية وثقافية ما تزال تستقطب الزوار كل سنة، كما أنها تحتضن تراثا أمازيغيا و عربيا غنياً، مثل ألوان الدقة ، الملحون ، الكريحة ، لوناسة اليحياوي ،الميزان الهواري ،فن الروايس و باقة متنوعة من أحواش ، كل هذه الألوان الآتية من روافد مدينة تارودانت شكلت ولعقود طويلة مدارس فنية قائمة بذاتها.
وتزخر المدينة أيضاً بمعالم يمكن أن تتحول إلى فضاءات حية للإبداع، مثل ساحة أسراك، وساحة 20 غشت، والأسوار التاريخية، والقصبات، والأسواق التقليدية التي ما تزال تحتفظ بروحها الأصيلة، إضافة إلى الصناعات التقليدية التي تعكس براعة الصانع الروداني.
ولا تقف المؤهلات عند حدود المدينة، فإقليم تارودانت بأكمله يشكل مجالاً سياحياً وثقافياً استثنائياً. فمن واحة تييوت، إلى جبال الأطلسين الكبير و الصغير، ومن القرى العتيقة إلى بساتين الحوامض وحقول الزعفران وغابات الأركان، مروراً بالمنتجات الفلاحية المحلية التي صنعت له اسماً داخل المغرب وخارجه، يمتلك الإقليم كل المقومات التي تسمح ببناء تظاهرات كبرى تجمع بين الثقافة والسياحة والاقتصاد المحلي.
الفرق، إذن، لا يكمن في الإمكانات، وإنما في كيفية تدبيرها وتسويقها.
لقد أثبتت الصويرة أن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل هو خيار اقتصادي واجتماعي ناجح. فالمهرجان لم يعد مجرد منصة للعروض الفنية، بل أصبح محركاً للفنادق والمطاعم والنقل والتجارة والصناعة التقليدية، ومصدراً لفرص الشغل، وواجهة دولية لتسويق المدينة.
أما تارودانت، فما تزال في حاجة إلى رؤية تجعل الثقافة مشروعا تنمويا دائما،لا مجرد تظاهرات متفرقة و متشابها تنتهي بانتهاء فعالياتها.كما ألامر يتعلق الأمر باستنساخ تجربة الصويرة، فلكل مدينة شخصيتها وهويتها. المطلوب هو أن تصنع تارودانت مهرجانها الخاص، وأن تحكي للعالم قصتها الخاصة، انطلاقا من تاريخها، وتراثها الأمازيغي، وعمقها الروحي، وتنوعها الثقافي، وموقعها باعتبارها إحدى أعرق حواضر سوس.
ولعل السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: لماذا نجحت الصويرة؟ بل: ما الذي يمنع تارودانت من أن تنجح هي الأخرى؟
قد يبدو السؤال حلماً، لكنه ليس مستحيلاً. هل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه أسوار تارودانت، في إحدى أمسيات الصيف، فضاءً يحتضن عشرات الآلاف من عشاق الفن والتراث؟ وهل يمكن أن تنتعش فنادقها وأسواقها ومقاهيها كما تنتعش اليوم مدينة الصويرة، وأن يجد شبابها فرص عمل جديدة بفضل مشروع ثقافي كبير؟
أعتقد أن ذلك ممكن.
فالمدن لا تصنع شهرتها بالحجر وحده، وإنما بالرؤية التي تمنح لهذا الحجر روحاً. والصويرة لم تصبح عاصمة للفرح بين ليلة وضحاها، بل لأنها آمنت بأن الصناعات الثقافية و السياحية ثروة، وأن الهوية يمكن أن تتحول إلى اقتصاد.
وتارودانت، بتاريخها الممتد، وذاكرتها الجماعية، وروحها السوسية الأصيلة، لا ينقصها سوى أن تؤمن هي الأخرى بأن مستقبلها قد يبدأ… من الثقافة.

